معرض دمشق الدولي 2025 | سورية تستقبل العالم بانفتاح اقتصادي واستثمارات خليجية وسعودية

بعد سنوات من الحرب والدمار والانقسام السياسي، تعود دمشق لتفتح أبوابها أمام العالم عبر واحد من أقدم وأعرق المعارض في المنطقة ( معرض دمشق الدولي )، الذي انطلقت دورته الـ62 في 27 آب 2025 وتستمر حتى 5 أيلول على أرض مدينة المعارض بريف دمشق. هذا الحدث لا يحمل فقط طابعاً تجارياً واقتصادياً، بل يمثل أيضاً رسالة سياسية وثقافية مفادها أن سورية بدأت مرحلة جديدة من تاريخها، عنوانها  ( الانفتاح، إعادة الإعمار، وكسر العزلة).

الشعار الذي رفعته إدارة المعرض (سورية تستقبل العالم) لم يكن مجرد كلمات، بل جاء ترجمةً فعلية لحضور أكثر من  850 شركة  تمثل نحو  22 دولة  عربية وأجنبية، في مقدمتها  المملكة العربية السعودية  التي شاركت كـ«ضيف شرف» عبر جناح وطني ضخم يضم أكثر من 80 شركة وهيئات اقتصادية واستثمارية سعودية.

المعرض في سياقه التاريخي والسياسي

منذ تأسيسه عام 1954، شكّل معرض دمشق الدولي واجهة اقتصادية وثقافية لسورية، لكنه غاب سنوات طويلة بسبب الحرب والعزلة التي فرضها النظام السابق والعقوبات الدولية. عودة المعرض بهذا الحجم بعد سقوط نظام الأسد وبدء مرحلة سياسية انتقالية، تعكس تحولاً نوعياً في المشهد السوري، ورسالة إلى الداخل والخارج بأن البلاد تسعى للعودة إلى خريطة الاقتصاد الإقليمي والدولي.

بحسب تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع في حفل الافتتاح، فإن "المعرض هو نافذة سورية إلى العالم وبوابة العالم إلى سورية، وهو منصة لإطلاق مشاريع الإعمار والاستثمار التي تنتظرها البلاد".

 ماهي الأبعاد الاقتصادية للحدث؟

1. استثمارات خليجية واعدة

الاهتمام السعودي والخليجي بالمعرض يعكس توجهات واضحة نحو الاستثمار في سورية. فقد أعلنت تقارير اقتصادية سعودية عن حزمة استثمارات محتملة تتجاوز 6 مليارات دولار في قطاعات الطاقة، البنية التحتية، الزراعة، والعقار، في إطار دعم جهود إعادة الإعمار ودمج سورية في محيطها العربي.

الدكتور محمد الجبري، خبير اقتصادي في مركز الخليج للأبحاث، اعتبر أن مشاركة السعودية بهذا المستوى "تشير إلى بداية إعادة تموضع اقتصادي في سورية، حيث ترى الرياض أن إعادة إعمار سورية تمثل فرصة استثمارية ضخمة، وفي الوقت ذاته ورقة استراتيجية لإعادة التوازن في المشرق العربي". 

2. تنويع الشركاء التجاريين

إلى جانب السعودية، يشارك في المعرض وفود رسمية وتجارية من  عدة دول كالأردن، قطر، مصر، تركيا، الجزائر، باكستان، الفلبين، وجنوب أفريقيا، إضافةً إلى شركات أوروبية من بلجيكا وبولندا والتشيك. هذا التنوع يرسل رسالة بأن سورية لم تعد محصورة في دائرة عزلة سياسية أو اقتصادية، بل تعود تدريجياً إلى الأسواق العالمية.

3. تحريك سوق العمل المحلي

وجود أكثر من 850 شركة ووفود تجارية أجنبية يعني بالتأكيد عقود توريد وتوظيف محتملة لعشرات الآلاف من السوريين. وكذلك بالنسبة للصناعات المحلية، وخاصة لمنسوجات، الصناعات الغذائية، والتكنولوجيا الزراعية* ، سوف تحصل على فرصة لتسويق منتجاتها وتوقيع اتفاقيات تصدير. وكذلك تبادل الخبرات والكفاءات في القطاعات الاقتصادية وتحسين الجودة.

الدكتور حازم العبدالله، أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق الحرة، يرى أن "المعرض ليس مجرد حدث رمزي، بل فرصة عملية لإعادة دمج آلاف الورش والمصانع الصغيرة في دورة الاقتصاد. أي عقد تصدير ولو محدود ينعكس على مئات الأسر السورية التي عانت سنوات طويلة من الركود". 

المعرض أداة لكسر العقوبات

من أهم أبعاد المعرض أنه يشكل  ثغرة اقتصادية في جدار العقوبات . فوجود شركات خليجية وأجنبية يرسل إشارة عملية بأن دمشق لم تعد ساحة محظورة بالكامل للاستثمار. بل أصبحت أن سوقاً واعدة وفرصة استثمارية للعديد من الشركات والصناديق الاستثمارية في ظل دعم سياسي دولي لاعادة سورية لمكانتها الدولية و المساهمة في إعادة الاعمار.

الباحث الاقتصادي د. عصام بركات أوضح أن "المعرض يمنح غطاءً سياسياً للشركات التي تريد دخول السوق السورية. المشاركة العلنية من السعودية وقطر والأردن تخلق بيئة إقليمية جديدة تضغط باتجاه تخفيف أو رفع العقوبات تدريجياً، خاصة تلك التي تعيق تدفق الاستثمارات". (مقابلة مع العربية بزنس، آب 2025).

 ماهي القطاعات المستهدفة في الإعمار؟

-الطاقة والبنية التحتية

من أبرز ما ركّزت عليه المشاركة السعودية والأردنية مشاريع إعادة تأهيل محطات الكهرباء، إنشاء محطات طاقة متجددة (شمسية ورياح)، وإعادة بناء شبكات المياه والصرف الصحي.

-العقارات والإسكان

شركات استثمارية خليجية وتركية و أوربية عرضت مشاريع لبناء مجمعات سكنية حديثة في دمشق وحلب وحمص، في إطار خطة لإعادة إسكان المهجرين والنازحين.

- الزراعة والأمن الغذائي

بمشاركة شركات أردنية وباكستانية، تم توقيع مذكرات تفاهم في مجال  ( تكنولوجيا الري الحديث، تطوير البذور، والآلات الزراعية)، ما يعكس الاهتمام بإحياء الريف السوري كرافعة أساسية للاستقرار الاقتصادي.

-التكنولوجيا والاتصالات

وفود من تركيا وقطر عرضت حلولاً في مجال المدفوعات الإلكترونية والاتصالات الذكية ، وهو قطاع يعتبره الخبراء أساسياً لإعادة بناء اقتصاد عصري. وكذلك دخول لشركات عملاقة كشركة نوكيا لتطوير البنية التحتية الرقمية في سورية ودعم التحول الرقمي وكذلك شركة زين للاتصالات وشركة عذيب للاتصالات كل ذلك يبشر بمستقبل رقمي واعد في سورية

الأهمية الرمزية للشعار «سورية تستقبل العالم»

اختيار الشعار لم يكن اعتباطياً، فهو يعبّر عن انتهاء مرحلة الانغلاق وبدء مرحلة الانفتاح والتكامل. في السنوات الماضية، كان السوريون يعيشون عزلة اقتصادية خانقة، واليوم يرون شركات من الخليج وأوروبا وآسيا تعود إلى دمشق.

هذا الشعار أيضاً رسالة سياسية: أن سورية لم تعد معزولة، بل باتت جزءاً من الحراك الإقليمي والدولي.

بعض من ردود الفعل الإعلامية

وسائل إعلام عربية كبرى غطّت الحدث بوصفه "عودة قوية لسورية إلى المشهد الاقتصادي"، بينما ركّزت صحف خليجية مثل  ( الاقتصادية السعودية ) على "حجم المشاركة السعودية بوصفه مؤشراً على فتح صفحة جديدة مع دمشق".

في المقابل، بعض المراقبين الغربيين أبدوا تحفظهم، معتبرين أن "الطريق لا يزال طويلاً قبل أن يتحول الحماس السياسي إلى استثمارات ملموسة"، لكن مجرد إقامة المعرض بهذا الحجم اعتُبر إنجازاً.

التحديات أمام تحويل الوعود إلى إنجازات

رغم الأجواء الإيجابية، يشير خبراء الاقتصاد إلى جملة تحديات، أهمها:

1. تحويل مذكرات التفاهم إلى عقود ملزمة، خصوصاً مع تعقيدات التمويل والمصارف الدولية.

2. إصلاح البيئة التشريعية والإدارية، لضمان حماية المستثمرين وشفافية الإجراءات.

3. إعادة تأهيل البنية التحتية اللوجستية (موانئ، طرق، مطارات) بما يواكب الطموحات الاستثمارية.

الدكتورة ليلى حداد، خبيرة اقتصادية في معهد بروكنغز، قالت في تقرير حديث: "النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الأجنحة ولا بحجم الوفود، بل بمدى قدرة الحكومة السورية الجديدة على جذب الاستثمارات النوعية وتثبيتها على الأرض".

خاتمة: فرصة تاريخية لسورية

معرض دمشق الدولي 2025 ليس مجرد تظاهرة اقتصادية موسمية، بل هو مؤشر على مرحلة جديدة في مسار سورية، مرحلة إعادة الإعمار والانفتاح على العمق العربي والدولي. مشاركة السعودية كضيف شرف أعطت دفعة قوية، وأرسلت رسالة واضحة أن دمشق عادت إلى قلب العالم العربي.

لكن التحدي الأكبر يبقى في استدامة هذه الفرصة. تحويل الحضور الرمزي والاحتفالي إلى مشاريع فعلية على الأرض تُعيد تشغيل المصانع تعيد إعمار المدن، وتفتح أبواب العمل للشباب السوري.

وكما قال أحد رجال الأعمال الأردنيين المشاركين: "نحن هنا ليس فقط لنبيع أو نشتري، بل لنفتح صفحة جديدة من العلاقات الاقتصادية مع شعب شقيق يستحق أن يعيش من جديد".